441 · ص237 · ج1
٢٢٩ - وأما قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}
[الخُلعْ]
فإن مالكًا -رضي اللَّه عنه- يقول: إذا كان النشوز من قِبَلها، والكراهية منها، فلا بأس بما يأخذه منها إذا افتدت به، قل أو كثر، وإذا كان الضِّرار من قبله، والأذى من جهته، لم يَحِل له ما تفتدي به منه ١، لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: ٢٠]، لأن الإرادة منسوبة في هذا الموضع إلى الزوج خاصة، فلم يجز له إذا أراد فِراق المرأة وكرهها ألا يفارقها حتى يأخذ منها شيئًا، وهذا الموضع وما أشبهه هو الذي كرهه مالك وجماعة من المفسرين ٢، إذا كانت الإساءة من قبله لم يجز له أن يأخذ منها شيئًا، وإذا خافا ألا يقيما حدود اللَّه فقد اشتركا في هذه المخافة يَبَرَّ بها واحد منهما، وكان لها أيضًا أن تفتدي، وله أن يأخذ، كما كان له إذا كانت الإساءة من قبلها.
١ في المدونة (٢/ ٣٤٠): وقال مالك: لم أزل أسمع من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، أن الرجل إذا لم يصل للمرأة، ولم يأت إليها، ولم تؤت المرأة من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يقبل منها ما افتدت به.
٢ في المدونة (٢/ ٣٤١): وقال مالك في التي تفتدي من زوجها: إنه إذا علم أن زوجها أضر بها أو ضيق عليها وأنه لها ظالم، مضى عليه الطلاق ورد عليها مالها، وهذا الذي كنت أسمع والذي عليه الأمر عندنا.
442 · ص237 · ج2
٤٨ - قال اللَّه عز وجل {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
[أحكام المياه]
قال إسماعيل: فوصف جل جلاله الماء بأنه طهور، والطَّهور: الفَعول، وهو الذي يطَهِّر غيرَه مثل: رجل ضَروب، ورجل قَتول، أي: يَضرِب ويَقتِل، وكذلك الوضوء يسمى طَهُورًا، لأنه يطهِّر الإنسانَ للصلاة، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طَهور" ١، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا" ٢، فجعل التيمم يُطَهِّر في وقته ويقوم مقام الماء.
فالذي يوجبه قولُه تبارك وتعالى، أن كل شيء غلب الماءُ عليه فقد طهَّره، وما لم يغيِّر طعمه ولا لونه ولا ريحه فالماء على أصل حكمه، وقد طَهَّر ما خالطه إذ غلب عليه وأزال حكمه، فكل ما حل بنجاسة في أرض أو ثوب فأزال الجسمَ واللونَ والطَّعْمَ والريحَ فقد طهَّره، إذ كان وُصف بأنه طَهُور، فما دام هو الغالب فالصفة ثابتة معه والاسم قائم فيه، وإذا غلبه غيره زال ذلك الحكم، وكذلك لو غلب عليه شيء غير نجس من دقيق أو عسل أو غيره، زال عنه اسم الماء وحكمه في أنه يطهر غيرَه، فهذا الذي يجب في النظر أن يكون الأصل في الماء.
١ من حديث رواه مسلم (١/ ١٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، عن ابن عمر رضي اللَّه عنه، بلفظ: "لا تقبل صلاة بغير طهور. . . ".
٢ من حديث متفق عليه، رواه البخاري برقم ٣٣٥، كتاب: التيمم، ومسلم (٦٣١٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه، واللفظ للبخاري.