443 · ص238 · ج1
وزعم بعض المتكلفين للعلم، أن هذه الآية توجب عليه ألا يأخذ منها إلا ما أعطاها أو بعضه ١، وليس الأمر على ما توهم، لأنه لو كان كما قال لقيل: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه، أو من ذلك، حتى يؤدي الكلامُ إلى ما أعطى الرجل امرأته من الصداق، فلما لم يقل ذلك، كان مطلقًا في كل شيء افتدت به.
ولو قال إنسان لإنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به، لكان مطلقًا له، لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال له: فلا جناح عليك فيما صنعت به منه، أو من ذلك.
ومما يدل على العموم فيما افتدت به، وأنه ليس مردودًا ٢ إلى صداقها، أنا رأينا النهي في المواضع كلها إنما هو شيء نسب الأخذ إليه خاصة، فدل ذلك على أنه يفعل بها، فلا يُحْوِجُه بها إلى أن تعطيه، قال اللَّه عز وجل: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: ١٩] ٣، وقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: ٢٠]، فعلمنا أنها تعطي ما تعطي ٤ من غير طيب نفسها، وإذا كانت هي الكارهة فيما أعطت من طيب نفسها قال اللَّه عز وجل: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: ٤]، فلما نسب الفعل إليها، نسب إلى أنه عن طيب نفس منها، فعلمنا أن الذي نهي عن أخذه منها هو غير الذي طابت به نفسها.
١ مذهب أحمد وإسحاق، انظر مختصر الخرقي (ص ١٥١)، والإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٧٢٦).
٢ في الأصل: مردود.
٣ في الأصل: ". . . آتيتموهن شيئًا".
٤ في الأصل: يعطي.
444 · ص238 · ج2
قال بكر: وهذا قول فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وقد تحدُثُ نَجاسةٌ في اليسيرِ من الماء فيُحتاط لذلك تنزُّهًا.
وقال مالك رضي اللَّه عنه في الموطأ، في الرجل يوضع له الماء لوضوئه فيُدخل إصبعه في الإناء ليعرف حر الماء من برده، أنه إن لم يكن في إصبعه أذى فلا أرى الماء ينجس عليه ١.
فأما ما يوجبه النظر فما ذكره القاضي إسماعيل.
وقال ابن عباس: الماء يُطهِّر ولا يُطَهَّر ٢.
وقال الحسن، وأبو العالية، وسالم، والقاسم، وابن شهاب، وربيعة، في ماء المطر في الأرض يُصيب الثوب منه لم يروا به بأسًا.
ومنهم من قرأ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}.
وروى الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، ريحه أو طعمه" ٣.
وقال مالك رضي اللَّه عنه: إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه من نجِس وقع فيه، فلا يصلح شربه ولا الوضوء منه ٤، وإذا تغير من طُحْلُب أو حَمْأَة، فإن لم يجد غيرَه توضأ به ٥.
١ الموطأ برواية يحيى، برقم ١٣٣، كتاب: الصلاة، جامع غسل الجنابة.
٢ رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم ٢٥٦، كتاب: الطهارة، باب: الماء لا ينجسه شيء.
٣ رواه ابن ماجه في سننه برقم ٥٢١، أبواب الطهارة وسننها، باب: الحياض.
٤ أورده ابن أبي زيد في النوادر (١/ ٧٤): عن علي، عن مالك في المجموعة: إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه، من نجاسة وقعت فيه، لم يصلح شربه، ولا الوضوء به، كان معينًا، أو من الشتاء، وأورد مثله في (١/ ٧٦)، عن أبي الفرج، عن أبي مصعب، عن مالك.
٥ ذكره ابن أبي زيد في النوادر (١/ ٨٠) عن علي، عن مالك، من المجموعة أنه: لا بأس بالوضوء بالماء يتغير ربحه من حمأ أو طحلب، إذا لم يجد غيره.