13 · ص33 · ج1
فمَن حَاسَبَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يَجْزِمُ بِهِ ١: وَجَدَ أَكْثَرَ النَّاسِ الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِمَا لَا يُجْزَمُ بِهِ إنَّمَا جَزْمُهُم لِنَوْعٍ مِن الْهَوَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١١٩].
وَلهَذَا تَجِدُ الْيَهُودَ يُصَمِّمُونَ وَيُصِرُّونَ عَلَى بَاطِلِهِمْ؛ لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ مِن الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْقَسْوَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَهْوَاءِ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَأَعْظَمُ ضَلَالًا مِنْهُمْ، وَإِن كَانُوا فِي الْحَادَةِ وَالْأَخْلَاقِ أَقَلَّ مِنْهُم شَرًّا، فَلَيْسُوا جَازِمِينَ بِغَالِبِ ضَلَالِهِمْ.
بَل عِنْدَ الاعْتِبَارِ: تَجِدُ مَن تَرَكَ الْهَوَى مِن الطَّائِفَتَيْنِ وَنَظَرَ نَوْعَ نَظَرٍ تبَيَّنَ لَهُ الْإِسْلَامُ حَقًّا. [٤/ ٢٩ - ٣٠]
***
(نصائح للْمُتَعَلِّمِ والأُسْتَاذِ)
٣٩ - عَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُحْسِنَ نِيَّتَهُ فِي ذَلِكَ ويَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللّهِ تَعَالَى.
وَعَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَنْصَحَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَيَجْتَهِدَ فِي تَعْلِيمِهِ.
وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَةَ أُسْتَاذِهِ وَيَشْكُرَ إحْسَانَهُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَن لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللّهَ، وَلَا يَجْحَدَ حَقَّهُ وَلَا يُنْكِرَ مَعْرُوفَهُ.
وَعَلَى الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
وَليْسَ لِأَحَدٍ مِن الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى الْآخَرِ وَلَا يُؤْذِيَهُ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَاقِبَ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا تَعَدِّي حَدٍّ وَلَا تَضْيِيعِ حَقٍّ بَل لِأَجْلِ هَوَاهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن الظُّلْمِ الَّذِي حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ.
١ سواءٌ في الاعتقاد أو في السلوك أو في الأحكام، فلا ينبغي للإنسان أن يجزم بشيء إلا بدليل صحيح يدل على الذي جزم به، حتى يخرج من التقليد والهوى، وكلُّ مقلد ففيه نوعٌ من الهوى، وكلما كثر وعظم التقليد كثر وعظم الهوى في قلبه.
14 · ص35 · ج1
مِن أَصْحَابِهِ أو أَصْحَابِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ عِبَادَةَ اللهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعَ الْحَقِّ وَالْقِيَامَ بِالْقِسْطِ.
وَمَن مَالَ مَعَ صَاحِبِهِ -سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ لَهُ أَو عَلَيْهِ- فَقَد حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَرَجَ عَن حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ، فَيَكُون الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُم مَن عَظَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَهُم مَن قَدَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمَحْبُوبُ عِنْدَهُم مَن أَحَبَّهُ الله وَرَسُولُهُ، وَالْمُهَانُ عِنْدَهُم مَن أَهَانَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، بِحَسَبِ مَا يُرْضِي اللّهَ وَرَسُولَة لَا بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ. [٢٨/ ١٣ - ١٧]
٤٠ - طَالِبُ الْعِلْمِ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِطَلَبِهِ فِعْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَتَرْكُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِن الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: وَإِلَّا وَقَعَ فِي الضَّلَالِ. [٢٢/ ٣٠٧]
٤١ - إذَا مَيَّزَ الْعَالِمُ بَيْنَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- وَمَا لَمْ يَقُلْهُ: فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ:
أ- أَنْ يَفْهَمَ فرَادَهُ ويفْقَهَ مَا قَالَهُ.
ب- وَيجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ويضُمَّ كُلَّ شَكْلٍ إلَى شَكْلِهِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ، ويُفَرِّقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ.
فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، ويجِبُ تَلَقِّيهِ وَقَبُولُهُ، وَبِهِ سَادَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجْمَعِينَ. [٢٧/ ٣١٦]
٤٢ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُم لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦] قَالَ اللهُ: (قَد فَعَلْت).
وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِن رَبِّنَا، وَلَا نَتَّبعَ مِن دُونِهِ أَوْليَاءَ، وَأمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، فَنَقولَ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الْآيَةَ [الحشر: ١٠].