259 · ص414 · ج1
د- وَتَارَةً يُخْبِرُ بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)} [الأعلى: ١].
هـ - وَتَارَةً يُخْبِرُ بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: ١٦].
و - وَتَارَةً يَجْعَلُ بَعْضَ الْخَلْقِ عِنْدَهُ دُونَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنبياء: ١٩]، وُيخْبِرُ عَمَّن عِنْدَهُ بِالطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)} [الأعراف: ٢٠٦].
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي تَبْيِينِ وُجُوبِ الْإِقْرَارِ بِالْإِثْبَاتِ وَعُلُوِّ اللهِ عَلَى السَّمَوَاتِ أنْ يُقَالَ: مِن الْمَعْلُومِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى:
أ - أَكْمَلَ الدِّينَ.
ب - وَأَتَمَّ النّعْمَةَ.
ج - وَأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ تِبْيَانا لِكلِّ شَيءٍ.
د - وَأَنَّ مَعْرِفَةَ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللهُ وَمَا يُنَزَّهُ عَنْهُ هوَ مِن أجَلِّ أمُورِ الدّينِ وَأَعْظَمِ أُصُولِهِ.
هـ - وَأَنَّ بَيَانَ هَذَا وَتَفْصِيلَهُ أَوْلَى مَن كُل شَيْءٍ.
فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يُبَيِّنْهُ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَمْ يُفَصِّلْهُ، وَلَمْ يُعْلِمْ أُمَّتَهُ مَا يَقُولُونَ فِي هَذَا الْبَابِ؟
وَكَيْفَ يَكُونُ الدِّينُ قَد كَمُلَ وَقَد تُرِكُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْبَيْضَاءِ وَهُم لَا يَدْ رُونَ بِمَاذَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ: أَبِمَا تَقولُهُ الْنُّفَاةُ أَو بِأقْوَالِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ؟ ١. [٥/ ١٦٤ - ١٧٤]
٤٤٥ - الْعُلُوُّ مِن الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالسَّمْعِ مَعَ الْعَقْلِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُثْبِتَةِ، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ فَمِن الصّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالسَّمْعِ لَا بِالْعَقْلِ. [٥/ ٢٢٧]
* * *
١ إلى هنا انتهت الفوائد المنتقاة من القاعدة المراكشية.
260 · ص415 · ج1
(الرد على أهل التشبيه والتمثيل، وأهل النفي والتعطيل)
٤٤٦ - قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١] رَدٌّ عَلَى أهْلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] رَدٌّ عَلَى أَهْلِ النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ.
فَالْمُمَثِّلُ: أَعْشَى، وَالْمُعَطِّلُ أَعْمَى، الْمُمَثِّلُ: يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالْمُعَطِّلُ: يَعْبُدُ عَدَمًا. [٥/ ١٩٦]
* * *
(الْمُعْتَزِلَةُ الْنَّفَاةِ لِلصِّفَاتِ قَالُوا: إنَّ اللَّه مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً، عَلِيمٌ حَقِيقَةً، قَدِيرٌ حَقِيقَةً)
٤٤٧ - اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّ اللهَ حَيٌّ حَقِيقَةً، عَلِيمٌ حَقِيقَةً، قَدِيرٌ حَقِيقَةً، سَمِيعٌ حَقِيقَةً، بَصِيرٌ حَقِيقَةً، مُرِيدٌ حَقِيقَةً، مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً، حَتَّى الْمُعْتَزِلَةُ الْنُّفَاةُ لِلصّفَاتِ قَالُوا: إنَّ اللهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً؛ كَمَا قَالُوا -مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ-: إنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَقِيقَةً، قَدِيرٌ حَقِيقَةً.
وإِنَّمَا يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقَةً: الْنُّفَاةُ مِن الْقَرَامِطَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة الْبَاطِنِيَّةِ، وَنَحْوِهِم مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَن اللهِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، ويقُولُونَ: لَيْسَ بِحَيّ، وَلَا عَالِمٍ وَلَا جَاهِل، وَلَا قَادِرٍ وَلَا عَاجِزٍ، وَلَا مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ، فَهَؤُلَاءِ وَمَن ضَاهَاهُم يَنْفُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةً .. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمِّيهِم الْمُسْلِمُونَ الْمَلَاحِدَةَ؛ لِأَنَّهُم أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَآيَاتِهِ، وَقَد قَالَ الله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)} [الأعراف: ١٨٠].
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إلَّا أَنَّهُم لَا ئكيِّفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَة مَحْصُورَةً.