309 · ص528 · ج1
(نُصُوصُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُصَدِّقِينَ بِالرَّبِّ)
٥١٧ - نُصُوصُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُصَدِّقِينَ بِالرَّبِّ، حَتَّى فِرْعَوْنُ الَّذِي أَظْهَرَ التَّكْذِيبَ كَانَ فِي بَاطِنِهِ مُصَدِّقًا، قَالَ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: ١٤].
وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: ٩٠] قَالَ اللهُ: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)} [يونس: ٩١] فَوَصَفَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فِي الْبَاطِنِ، كَمَا قَالَ: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: ١٦]، وَكَمَا قَالَ عَن إبْلِيسَ: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)} [ص: ٧٣، ٧٤] فَلَمْ يَصِفْهُ إلَّا بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَمُعَارَضَتِهِ الْأَمْرَ، لَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ ١. [٧/ ١٥١ - ١٥٢]
* * *
(معنى قوله تعالي: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ})
٥١٨ - لَفْظُ التِّلَاوَةِ إذَا أُطْلِقَتْ فِي مِثْل قَوْلِهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: ١٢١]: تَنَاوَلَت الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ مِثْل ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، فَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِن التِّلَاوَةِ بِمَعْنَى الِاتِّبَاعِ؛ كَقَوْلِهِ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)} [الشمس: ٢] وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَن لَمْ يَقْرَأهُ.
١ فهذا دليل على أمرين:
الأول: أنَّ الإيمان ليس هو مجرد التصديق، ففرعون وإبليس كانا مُصدقين في الباطن، ولكنهما وأمثالهما عصوا واستكبروا، فلم ينفعهم التصديق.
الثاني: أن الله تعالى لا يُعذب أحدًا حتى يقيم الحجة عليه، فلا يُؤاخذ أحدًا قبل علمه.
310 · ص529 · ج1
وَقِيلَ: بَل مِن تَمَامِ قِرَاءَتِهِ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَاهُ وَيَعْمَلَ بِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ عُثْمَانُ بْنُ عفان وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُم كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِن الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْاَنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ بِإسْنَادِهِ الثَّابِتِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتبُاعِهِ ١. [٧/ ١٦٧ - ١٦٨]
* * *
(الصواب أَنَّ الْكَلَام وَالْقَوْل يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، وتوجيه الشيخ اختلاف عبارات السَّلَفِ في تعريف الْإِيمَان)
٥١٩ - النَّاسُ لَهُم فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ؛ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْجُمْهُورُ أَنَهُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، كَمَا يَتَنَاوَلُ لَفْظَ الْإِنْسَانِ لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِعيًا.
وَقِيلَ: بَل مُسَمَّاهُ هُوَ اللَّفْظُ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ جُزْءَ مُسَمَّاهُ؛ بَل هُوَ مَدْلُولُ
١ قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: القول في تأويل قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة: ١٢١] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله -عز وجل-: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}، فقال بعضهم: معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه.
وقال آخرون: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}، يقرؤونه حق قراءته.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك أنه بمعنى: يتبعونه حق اتباعه، من قول القائل: ما زلت أتلو أثره، إذا اتبع أثره، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله. اهـ. تفسير الطبري (٢/ ٥٦٦ - ٥٦٩).
قلت: وقد ذكر القائلين للقول الأول وهم كثير، ولم يذكر قائلًا للقول الثاني.
ولم يذكر ابن الجوزي وابن كثير والسعدي في معنى الآية غير القول الأول. زاد المسير (١/ ١٥٧)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٠٣)، تفسير السعدي (٦٥).
قال القرطبي بعد أن ساق القول الأول: وَقِيلَ: يَقْرَؤونَهُ حَقَّ قِرَاءَتِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يُرَتلُونَ أَلْفَاظَهُ، وَيَفْهَمُونَ مَعَانِيَهُ، فَإنَّ بِفَهْمِ الْمَعَانِي يَكُونُ الاتباع لمن وفق. اهـ. تفسير القرطبي (٢/ ٩٦).