341 · ص582 · ج1
كِتَابُ الْإِيمَانِ الأوسط ١
(ما المقصود بالزنديق؟)
٥٦٠ - لَمَّا كَثُرَت الْأَعَاجِمُ فِي الْمُسْلِمِينَ تَكَلَّمُوا بِلَفْظِ الزِّنْدِيق، وَشَاعَتْ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاء، وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الزِّنْدِيقِ: هَل تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الزِّنْدِيقَ فِي عُرْفِ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنَ غَيْرَهُ، سَوَاءٌ أَبْطَنَ دِينًا مِن الْأدْيَانِ؛ كَدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَو غَيْرِهِمْ، أو كَانَ مُعَطِّلًا جَاحِدًا لِلصَّانِعِ وَالْمَعَادِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. [٧/ ٤٧١]
* * *
(ضلال الخوارج والمعتزلة)
٥٦١ - الْفَاسِقُ الْمِلِّي: مِمَّا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي اسْمِهِ وَحُكْمِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ أَوَّلُ خِلَافٍ ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. [٧/ ٤٧٩]
٥٦٢ - قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْخَوَارجِ مِن عَشَرَةِ أوْجُهٍ.
وَهَذِهِ الْعَشَرَةُ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" مُوَافَقَةً لِأحْمَدَ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْهَا عِدَّةَ أَوْجُهٍ، وَرَوَى أحَادِيثَهُم أَهْلُ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ.
وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارجُ لَهُم أَسْمَاءٌ:
١ سأنتقي أهم وأبرز الفوائد والمسائل التي ذكرها في كتابه، وأجعلها على فقرات ليسهل فهمها.
342 · ص584 · ج1
وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ دُونَ قَتْلِهِ، وَلَو كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا لَوَجَبَ قَتْلُهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ١، وَقَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إسْلَامٍ، وَزنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَو قَتْلِ نَفْسٍ يُقْتَلُ بِهَا" ٢.
وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُجْلَدَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلَو كَانَا كَافِرَيْنِ لَأَمَرَ بِقَتلِهِمَا.
وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُجْلَدَ قَاذِفُ الْمُحْصَنَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَو كَانَ كَافِرًا لَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
فَلَمَّا شَاعَ فِي الْأُمَّةِ أَمْرُ الْخَوَارجِ تَكلَّمَت الصَّحَابَةُ فِيهِمْ، وَرَوَوْا عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الْأَحَادِيثَ فِيهِمْ، وَبَيَّنُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِن الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَظَهَرَتْ بِدْعَتُهُم فِي الْعَامَّةِ، فَجَاءَت بَعْدَهُم الْمُعْتَزِلَةُ، الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُم: عَمْرُو بْن عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الْغَزالُ، وَأَتْبَاعُهُمَا فَقَالُوا: أَهْل الْكَبَائِرِ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَت الْخَوَارِجُ، وَلَا نُسَمِّيهِمْ لَا مُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارًا؛ بَل فُسَّاقٌ، نُنْزِلُهُم مَنْزِلَةً بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَأَنْكَرُوا شَفَاعَةَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِن أُمَّتِهِ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِن النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا. [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٤]
٥٦٣ - احْتَجَّت الْخَوَارجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٢٧]، قَالُوا: فَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ مِن الْمُتَّقِينَ، فَلَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْهُ عَمَلًا.
وَقَد أَجَابَتْهُم الْمُرْجِئَةُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي الْكُفْرَ.
١ رواه البخاري (٣٠١٧).
٢ رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٨)، وقال: حديث حسن، من حديث عثمان -رضي الله عنه-، وأصله في الصحيحين من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.