← المكتبة ▭ 1 page
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
89 · ص141 · ج1
إبْرَاهِيمُ: ألَمْ أقلْ لَك لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيك، فَيَقُولُ ابْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ أَنْتَ وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِينِى ١ يَوْمَ يُبْعَثونَ، وَأَيُّ خِزْي أَخْزَى مِن أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللهُ -عز وجل-: إنِّي حَرَّمْت الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثمَّ يُقَالُ: اُنْظُرْ مَا تَحْت رِجْلَيْك؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخ ٢ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ"، فَهَذَا لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا لَمْ يَنْفَعْهُ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ مَعَ عِظَمِ جَاهِهِ وَقَدْرِهِ ٣. [١/ ١٤٣ - ١٤٦] * * * (إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا الألوهية) ١٩٢ - الْمُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِم، الَّذِينَ أخْبَرَ الْقُرْآنُ بِشِرْكِهِمْ، وَاسْتَحَلَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم وَسَبَى حَرِيمَهُم وَأَوْجَبَ لَهُم النَّارَ: كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَمَا قَالَ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)} [لقمان: ٢٥]. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أخْرَى مُقِرِّينَ بِأَنَّ آلِهَتَهُم مَخْلُوقَة، وَلَكِنَّهُم كَانُوا يَتَّخِذُونَهُم شُفَعَاءَ، وَيَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهِمْ إلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ
١ في الأصل: تُخْزِنِي!، والتصويب من صحيح البخاري، وقد ذكر الشيخ هذا الحديث في موضع آخر (٢٧/ ٢٦٢) وأثبت لفظة البخاري. ٢ الذيخ: ذكر الضبع الكثير الشعر، أُري أباه على غير هيئته ومنظره ليسرع إلى التبرؤ منه. ٣ وكيف يتعلق بعض الناس بتوسلهم بأصحاب القبور، ويدعونهم من دون الله، ولا يتعلقون بالله تعالى وحده، ويُخلصون له العبادة والدعاء، والمحبة والخوف والرجاء؟ فهذا إبراهيم -عليه السلام- إما الحنفاء، وأعظم الأولياء بعد نبينا عليهما الصلاة والسلام لم تنفع أباه شفاعتُه وطلبه، فلو قدّر -جدلًا- أن صاحب القبر سمع توسل الداعي -المشرك- وشفع له-، فلا يعني ذلك أن الله تعالى سيقبل شفاعته، إلا إذا رضي عن المشفوع، والله أخبر في كتابه أنه لا يرضى عمن أشرك به، ودعا غيره، وتوسل به.
90 · ص142 · ج1
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)} [يونس: ١٨]. [١/ ٥٤] * * * (من توسل بالأموات ودعاهم من دون الله كفر) ١٩٣ - قَالَ الله تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: ٥٦، ٥٧]، قَالَ طَائِفَة مِن السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ كَالْعُزَيْرِ وَالْمَسِيحِ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ عِبَادُ اللهِ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُم عِبَادُ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، كَمَا يَفْعَلُ سَائِرُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَالْمُشْرِكُونَ مِن هَؤُلَاءِ قَد يَقُولُونَ: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ أَيْ: نَطْلُبُ مِن الْمَلَائِكَةِ وَالْأنْبِيَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا، فَإِذَا أتَيْنَا قَبْرَ أَحَدِهِمْ طَلَبْنَا مِنْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَنَا، فَإِذَا صَوَّرْنَا تِمْثَالَهُ -وَالتَّمَاثِيلُ إمَّا مُجَسَّدَةٌ وَإِمَّا تَمَاثِيلُ مُصَوَّرَةٌ كَمَا يُصَوِّرُهَا النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ- قَالُوا: فَمَقْصُودُنَا بِهَذِهِ التَّمَاثِيلِ تَذَكُّرُ أَصْحَابِهَا وَسِيَرِهِمْ، وَنَحْن نُخَاطِبُ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ، وَمَقْصُودُنَا خِطَابُ أَصْحَابِهَا لِيَشْفَعُوا لَنَا إلَى اللهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُم: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ .. اشْفَعْ لِي إلَى رَبِّك. وَقَد يُخَاطِبُونَ الْمَيِّتَ عِنْدَ قَبْرِهِ: سَلْ لِي رَبَّك. أَو يُخَاطِبُونَ الْحَيَّ وَهُوَ غَائِبٌ كَمَا يُخَاطِبُونَهُ لَو كَانَ حَاضِرًا حَيًّا، وَيُنْشِدُونَ قَصَائِدَ، يَقولُ أَحَدُهُم فِيهَا: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ أَنَا فِي حَسْبِك، أَنَا فِي جِوَارِك، اشْفَعْ لِي إلَى اللهِ، سَل اللهَ لَنَا أَنْ يَنْصُرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، سَل اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنَّا هَذِهِ الشِّدَّةَ، أَشْكُو إلَيْك كَذَا وَكَذَا، فَسَل اللهَ أَنْ يَكْشِفَ هَذِهِ الْكُرْبَةَ، أَو يَقُولُ أَحَدُهُم: سَل اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي.
→ prev 89–90 / 3539 next ←