365 · ص195 · ج1
حتى قال الشافعي رحمه الله: مَنْ حفظ القرآن عظمت حرمته، ومَن طلب الفقه نبل قدره، ومَن كتب الحديث قويت حجته، ومَن نظر في النحو رقَّ طبعه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم يصنْه العلم.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أربعة رهطٍ لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «استقرئوا القرآنَ من أَربعةٍ: مِنْ عبدالله بِنِ مسعودٍ، وسالمِ مولى أبي حذيفة، وأبي بنِ كعب، ومعاذِ بِن جبلٍ» ١.
ويجب على المتعلم توقير من يقرأ عليه، والمبالغة في إجلاله، وقد قال عليٌّ -عليه السلام-: من حق العالم إذا أتيت مجلسه أن تُسَلِّم على القوم وتخصَّه دونهم بالتحية، و تجلس أمامه، ولا تُشيرنَّ عنده برأيٍ، ولا تغمزنَّ بعينك، ولا تقولنَّ له قال فلان خلافاً لقوله، ولا تغتابنَّ عنده أحداً، ولا تُسارِّهِ، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلِحَّ عليه إذا كسل، ولا تعرض عن صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر أن يسقط عليك منها شيءٌ فَتَجْنِيه.
ومن إجلال القرآن حُسنُ الاستماع له، والإنصات لتلاوته، وقد أمر الله تعالى عباده بذلك فقال سبحانه: {وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحمُون} ٢ مناقَضَةً لقول {وقَالَ الذِّين كَفَرُوا لاتَسْمَعُوا لهَذَا القُرْآنِ والْغَوا فِيه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} ٣. قيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، وقيل في ترك الكلام في خطبة يوم الجمعة. وقيل:
١ رواه البخاري في صحيحه في باب المناقب ٢/ ٣٠٧.
٢ الآية (٢٠٤) من سورة الأعراف.
٣ الآية (٢٦) من سورة فصلت.
366 · ص195 · ج2
وقد حكى أبو زيد عنهم: لقيتُه فينةَ فينةَ. غير مصروفٍ، ولقيتُه الفينةَ بعد الفينة أي: الحين بعد الحين، وإنما تَدْخُل الألف واللام في هذا على تقدير الشياع.
قال أبو العباس المبرِّد: هذا كما تقول: جَاءني زيدٌ، و زيدٌ، وزيدٌ. يريد جماعةً اسم كل واحدٍ زيد.
فيقول المجيب: فما بين الزيد الأول والزيد الآخر، وهذا الزيد أشرف من ذاك الزيد؛ وعلى ذلك كانت تثنية المعرفة وجمعُها إذا كانت غيرَ مضافةٍ تخرجها إلى النكرة، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يصير من أمةٍ لكل واحدٍ منها مثل اسمه، وتصف زيداً كما تصف النكرة، لأنه يصير معرفةً بما أُضِيف إليه كما قال ١:
علا زيدُنا يوم النَّقا رأسَ زيدِكم … ........................
وقوله: «هاهنا» ليعطفَ عليه قوله: «وفي الكهف» وهو قوله تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَع الذينَ يَدْعُونَ ربَّهم بالغَدوة … } ٢؛ «وعن ألفٍ واوٌ» [أي] ٣: وثبت له عوضاً عن ألف واو؛ «وفي الكهف وصلا»
يعني ابن عامر؛ ومعنى وصَّل أتبع ذاك هذا، والتوصيل أن تتبع الشيء الشيء.
١ وهو لرجلٍ من طيئ وتمامه «بأبيضَ ماضي الشفرتين يماني» وهو في الكامل ٣/ ٨٨٥، والمغني برقم (٧٠) وابن يعيش ١/ ٤٤، والدر المصون ٦/ ٤٨٧.
٢ الآية ٢٨ من سورة الكهف.
٣ مابين المعقوفتين سقط من (ع)