← المكتبة ▭ 1 page
زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر
فهد بن إبراهيم الضالع علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
155 · ص155
الكذب، وتنبيه أن الاعتقاد لا يطابقه» ١. أن ذكر الأفواه هنا مع إرادة اللسان من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهو أسلوب قرآني؛ كقوله تعالى: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: ٧] والمراد جزء من الأصابع. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه إطلاق الكل وإرادة الجزء. الوجه الثالث: الكلام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: ٨]. ولم أقف على من خصص الأفواه هنا بالكلام، والظاهر دخوله في الذي قبله لكون اللسان من لوازم الكلام؛ وقال باللسان تفسيرا لهذه الآية من السلف: ابن جريج ٢، ومن المفسرين: مقاتل ابن سليمان ٣. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين وهما: الوجه الأول: الأفواه المعروفه التي واحدها فم. ودل عليه قوله تعالى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: ٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل. الوجه الثاني: الألسن. ودل عليه قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: ١٦٧]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذ إطلاق الكل وإرادة الجزء. وأما الوجه الذي هو: الكلام. ففي قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: ٨] تقدم أنني لم أقف على من خصص الأفواه هنا بالكلام، وأنه داخل في الذي قبله لكون اللسان من لوازم الكلام فيعود إليه.
١ مفردات ألفاظ القرآن ٦٥٠. ٢ الدر المنثور ٨/ ١٤٠. ٣ تفسير مقاتل بن سليمان ٤٣١٦. ولم يفرق المفسرون في هذا المثال والذي قبله بين اللسان والكلام وإنما استفاض كلامهم في المثال الأول على مسألة التوكيد، وفي الثاني على ضرب المثل.
156 · ص156
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الاستحياء: باب الاستحياء قال ابن الجوزي: «ذكر أهل التفسير أن الاستحياء في القرآن على ثلاثة أوجه: ولم يفرقوا بين المقصور والممدود ١. أحدها: الاستبقاء. ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: ٤٩]. والثاني: الترك. ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: ٢٦]. والثالث: من الحياء. ومنه قوله تعالى في الأحزاب: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} [الأحزاب: ١٥٩]» ٢. دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الاستبقاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: ٤٩]. وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو العالية والربيع بن أنس، والسُّدي، ومجاهد ٣. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير. ٤ ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه ومأخذه، المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال ابن فارس: «الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خِلاف المَوْت، والآخر الاستحياء الذي هو ضِدُّ الوقاحة. فأمّا الأوّل: فالحياة وَالحَيَوان، وهو ضِدُّ الموت والمَوَتَان، واستحياه: أبْقَاهُ حَيَّاً» ٥.
١ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص ٢٢٦. ومقاييس اللغة ص ٢٧١، والمحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٣٩٥. ٢ نزهة الأعين النواظر ص ٩٩. ٣ جامع البيان ١/ ٣٥٦. ٤ جامع البيان ١/ ٣٥٦. معالم التنزيل ص ٣١. المحرر الوجيز ١/ ١٤٠. البحر المحيط ١/ ٣١٤. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٢٣٥. ٥ مقاييس اللغة ص ٢٧١.
→ prev 155–156 / 979 next ←