209 · ص209
فقال: اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٦].هذه الآيات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؛ فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مه»، فأبت فلعنت فلما أدبرا، قال لعلها أن تجيء به أسوداً جعدا فجاءت به أسوداً جعداً» ١.
وقال به من السلف: عبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعامر الشعبي، وعكرمة. ٢
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير ٣.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الراغب الأصفهاني: «الرمي: يقال في الأعيان كالسَّهم والحَجَر، نحو: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: ١٧]، ويقال في المقال كناية عن الشتم كالقذف، نحو: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٦]، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٤].» ٤
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: الإلقاء والنبذ. ودل عليه قوله تعالى: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} [المرسلات: ٣٢]. وقوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل: ٤].
١ صحيح مسلم ٢/ ١١٣٣ برقم ١٤٦٥.
٢ جامع البيان ١٨/ ١٠٤. وسهل: ابن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري أبو العباس المدني له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، مات سنة ٩١ عن مائة سنة (الاستيعاب ٢/ ٦٦٤. الإصابة ٣/ ٢٠٠).
٣ معاني القرآن للفراء ٢٨/ ٢٤٦. جامع البيان ١٨/ ١٠٤. معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٤٠٦. معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠٤. معالم التنزيل ص ٨٩٢. الكشاف ٣/ ٢١٩. المحرر الوجيز ٤/ ١٦٥. الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٢٣. البحر المحيط
٨/ ١٣ تفسير القرآن العظيم ٤/ ٥٠٩.
٤ مفردات ألفاظ القرآن ص ٣٦٦.
210 · ص210
ومعنى تفسير السلف للقصر وللحجارة يدل على الوجه في الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة.
الوجه الثاني: الإصابة. ودل عليه قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: ١٧]. وعبارة السلف دلت عليه، ومأخذه التفسير بجزء من المعنى، لأن الإصابة هي الغاية والنتيجة التي يطلبها كل رامٍ نحو هدف.
الوجه الثالث: القذف بالزنى. ودل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: ٤]. الآية الثانية: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: ٦].وشهد له حديث ابن مسعود، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما ذكره الراغب الأصفهاني.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الريح.
باب الريح:
قال ابن الجوزي:
«الريح: الهواء المتحرك. والروح نسيم الريح. والأريحيّ: الواسع الخلق ١.
وذكر بعض المفسرين أن الريح في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: الريح نفسها، ومنه قوله تعالى في البقرة: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} [البقرة: ١٦٤]، وفي الأعراف: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا} [الأعراف: ٥٧]، وفي الروم: {أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: ٤٦].
والثاني: الرائحة. ومنه قوله تعالى في يوسف: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} [يوسف: ٩٤].
والثالث: القوة. ومنه قوله تعالى في الأنفال: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: ٤٦]» ٢.
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الريح نفسها.
١ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص ٣٧٩، ومقاييس اللغة ص ٤٠٨ و ٤١٢، والمحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٤٤١
٢ نزهة الأعين النواظر ص ٣١٦.