231 · ص231
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا، أن النصر في الآية الأولى هو نصر موسى - عليه السلام - على فرعون، وفي الآية الثانية نصر محمد - عليه السلام - على كفار قريش.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في تفسير الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أقوى أسباب الفرقان بين الحق والباطل، هو نصر الحق على الباطل فيدحضه، فإذا هو زاهق.
الوجه الثاني: المخرج في الدين من الضلال والشبهة.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: ١٨٥].
وبمعناه قال السُّدي: «بينات من الحلال والحرام» ١.
وبنحو قول السُّدي قال من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير ٢، قالوا: المفرق بين الحق والباطل.
الآية الثانية: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: ٤].
وبمعناه قال من السلف: محمد بن جعفر بن الزبير: «أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره» ٣.
وقال به من المفسرين: ابن جرير ٤.
وللسلف في الآية قول آخر:
أن الفرقان في هذه الآية: القرآن فرق الله به بين الحق والباطل، وقال به منهم قتادة والربيع ٥، والحسن، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل بن حيان. ٦
١ جامع البيان ٢/ ١٩٣.
٢ جامع البيان ٢/ ١٩٣ .. معالم التنزيل ٩١. الكشاف ١/ ٢٥٤. المحرر الوجيز ١/ ٢٥٤. الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٠٠. البحر المحيط ٢/ ١٩٦. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٤١.
٣ جامع البيان ٣/ ٢١٨. ومحمد بن جعفر بن الزبير: محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي روى عن عمه عروة وابن عمه عباد بن عبد الله وعنه عبيد الله بن أبي جعفر وابن إسحاق وجماعة وثقه النسائي، مات سنة ١١٠ هـ (التقريب ٤٧١. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٣٣٠).
٤ جامع البيان ٣/ ٢١٨.
٥ جامع البيان ٣/ ٢١٨.
٦ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ٢/ ٥٨٨.
232 · ص232
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحاس والزَّمخشري وابن عطية، والقرطبي ١ وذكروا أقولاً أخرى حتى أوصلها أبو حيَّان إلى ثمانية أقوال، كلها في معنى الفرقان ٢.
وانتصر ابن جرير للقول بأن معنى الفرقان، مطلق الفصل بين الحق والباطل، ولأن القول بالقرآن يلزم منه التكرار مع أول الآية، فقدم التأسيس على التكرار فقال: «والتأويل الذي ذكرناه عن محمد بن جعفر بن الزبير في ذلك أولى بالصحة، من التأويل الذي ذكرناه عن قتادة والربيع، وأن يكون معنى الفرقان في هذا الموضع فصل الله بين نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، والذي حاجُّوه في أمر عيسى وفي غير ذلك من أموره بالحجة البالغة القاطعة، عذرهم وعذر نظرائهم من أهل الكفر بالله، وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأن إخبار الله عن تنزيله القرآن قبل إخباره عن تنزيله التوراة والإنجيل في هذه الآية قد مضى بقوله {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ} [آل عمران: ٣] ولا شك أن ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرة أخرى إذ لا فائدة في تكريره» ٣
وذهب ابن القيم، إلى أن الفرقان في هذه الآية هو النصر فقال: «{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: ٤].
فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي .. وسر اقتران النصر بالهدى أن كلاً منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل .. » ٤.
وقال ابن عطية بعد ذكره قولي السلف الأولين: «والفرقان يعم هذا كله» ٥. فرأى أن القولين عائدان للقرآن، وبه فرق الله تعالى بين الحق والباطل في وفد نجران، وفي الأحكام والشرائع وغيرها.
وعند التأمل فإن قول ابن جرير وهو: مطلق الفصل بين الحق والباطل يزيد العموم اتساعاً فيستوعب جميع أقوال السلف دون رد شيء منها، فالفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه
١ معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٧٥. معاني القرآن للنحاس ١/ ٣٤٣. الكشاف ١/ ٣٦٤. المحرر الوجيز ١/ ٣٩٩. الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٦.
٢ البحر المحيط ٣/ ١٧.
٣ جامع البيان ٣/ ٢١٨.
٤ بدائع الفوائد ٢/ ٢٥٣.
٥ المحرر الوجيز ١/ ٣٩٩.