305 · ص305
فعند النظر في تفسيرهم للآية يلاحظ أنهم يطلقون الختم على الطبع، وبينهما تقارب بيّن في اللغة، والمنع لازم لهما فيكون الختم والطبع شيئاً واحداً مترابطاً، لا يكاد ينفك عن بعضه البعض، وعليه يدل كلام السلف والمفسرين في الوجهين الأول والثالث.
ويتبين مماتقدم أن من فسر الآية بالمنع هنا إنما فسرها باللازم وأما ما عليه السلف وعامة المفسرين فإنهم لم يفرقوا بين الختم والطبع، فيكون هذا الوجه داخلاً في الوجه الأول لأنه من لوازمه فلا ينفك عنه.
الوجه الرابع: الآخر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: ٤٠]، وقال به من السلف قتادة ١. ويشهد له حديث جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان كل من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع اللبنة فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء " ٢.
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير ٣
الآية الثانية: قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: ٢٦]. أي آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه.
وقال به من السلف: أبو الدرداء وابن عباس ٤ وقتادة والضحاك وإبراهيم النخعي والحسن ٥.
١ جامع البيان لابن جرير ٢٢/ ٢٣.
٢ أخرجه البخاري (كتاب المناقب. باب خاتم النبيين ٣/ ١٣٠٠، برقم ٣٣٤١)
٣ معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٤. جامع البيان ٢٢/ ٢٣. معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٣٠. معاني القرآن للنحاس ٥/ ٣٥٦. معالم التنزيل ص ١٠٤٤. الكشاف ٣/ ٥٥٣. المحرر الوجيز ٤/ ٣٨٨. الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢٧. البحر المحيط ٨/ ٤٨٥. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/ ١٨٥.
٤ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ١٠/ ٣٤١٠.
٥ جامع البيان ٣٠/ ١٣٣.
306 · ص306
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ١.
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآيتين، كما فسره السلف والمفسرون ومأخذ ابن الجوزي له أن الآخر هو المعنى الأصلي للفظ الختم في لغة العرب. والله أعلم.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الوجوه الأربعة وجهان فقط وهما:
الأول: الطبع: ودل عليه قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} [الجاثية: ٢٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة.
وتم إيراد قول القدرية في الآية الأولى والرد عليه ومناقشته من كلام أئمة السلف.
الثاني: آخر الشيء: ودل عليه قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: ٤٠]، وفي المطففين: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين: ٢٦]، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة.
وأما الوجهان الآخران فقد تقدم ضعف الوجه الذي هو الربط ورد ابن القيم رحمه اللَّه له لمخالفته السياق القرآني واللغة العربية وأما الوجه الذي هو المنع فقد تقدم من الكلام أنه من لوازم الطبع والختم وأن المنع هو استكمال الطبع واستحكامه فلا ينفصل عنه وبهذا يعود المنع إلى الطبع واللَّه أعلم.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الخزائن.
باب الخزائن
قال ابن الجوزي:
«الخزائن: جمع خزانة، وهو البيت الذي يحفظ فيه المدخر والمختار من المال. ٢
١ معاني القرآن للفراء ٣/ ٣٤٨. جامع البيان ٣٠/ ١٣٣. معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣٠١. معالم التنزيل ص ١٣٩١. الكشاف ٤/ ٧٢٤. المحرر الوجيز ٥/ ٤٥٣. الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٧٣. البحر المحيط ١٠/ ٤٣١. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/ ٤١٦.
٢ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص ٢٤٣، مقاييس اللغة ص ٢٩٦، ولسان العرب مادة (خزن).