331 · ص331
قال ابن فارس: «السين واللام والكاف: أصلٌ يدلُّ على نفوذ شئٍ في شئ» ١، فالسلوك دخول شيئ في شيء، والدخول منه.
الوجه الثاني: الجعل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: ٢٧].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كقول ابن عباس: «هي معقبات من الملائكة، يحفظون النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم»، ونحوه عن إبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة ٢.
وتبع السلفَ المفسرون في تفسير الآية، ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير ٣.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن الجعل داخل في معاني الأفعال كلها ومنها السلوك، قال الراغب الأصفهاني: «جَعَلَ: لفظٌ عام في الأفعال كلها، وهو أعمُّ من فَعَلَ وصَنَعَ، وسائر أخواتها» ٤، هذا وقد أيد الوجه في معنى الآية ابن قتيبة فقال: «وقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} أي يجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن تسترقَهُ الشياطين فتلقيه إلى الكهنة، حتى تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء؛ فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة» ٥.
الوجه الثالث: التكليف.
ومنه قوله تعالى في الجن: {يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن: ١٧].
١ مقاييس اللغة ص ٤٦٨.
٢ جامع البيان ٢٩/ ١٤٨.
٣ معاني القرآن للفراء ٣/ ١٩٦. المرجع السابق نفسه. معالم التنزيل ص ١٣٥٥. الكشاف ٤/ ٦٣٥. الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٢٠. تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢٧.
٤ مفردات ألفاظ القرآن ص ١٩٦.
٥ تأويل مشكل القرآن ص ٢٤٤، ونحوه وتأويل مختلف الحديث ص ١٧٨.
332 · ص332
وقال به الكلبي ١، وابن قتيبة ٢.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن السلوك في الآية هو الدخول في مشقة من العذاب يصعد فيها ٣ ولا يقع من الكافر إلا على سبيل التكليف وحملِه عليه عُنوة، ويؤيد هذا ما ذكره أبو جعفر النَّحَّاس عن الأصمعي قال: «أسْلَكَهُ:
حَمَلَهُ على أن يَسْلُك» ٤.
الوجه الرابع: الترك.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الحجر: ١٢]،
الآية الثانية: قوله تعالى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الشعراء: ٢٠٠]
ولم أقف على من قال بهذا المعنى في تفسير الآيتين، وقد أشار ابن الجوزي إلى قول آخر وهو أن السلوك في الآيتين بمعنى الدخول، وهذا القول هو الذي قاله ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير ٥، وبهذا يعود هذا الوجه إلى الوجه الأول.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثلاثة هي:
الوجه الأول: الدخول. ودل عليه قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: ٤٢]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، وتفسير الشيئ بجزء معناه في اللغة. كما دل عليه كلام ابن فارس.
١ الكشف والبيان ١٢/ ٥٤.
٢ تفسير غريب القرآن ص ٤١٩.
٣ وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد عند ابن جرير ٢٩/ ١٤٠. وتبعهم أكثر المفسرين في تفسير السلوك بالدخول: ينظر: جامع البيان ٢٩/ ١٤٠، ومعالم التنزيل ص ١٣٥٤، والكشاف ٤/ ٦١٣، والمحرر الوجيز ٥/ ٣٨٣، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٤، والبحر المحيط ١٠/ ٣٠٠، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/ ٣٢٣.
٤ إعراب القرآن للنحاس ٥/ ٣٥.
٥ جامع البيان ١٤/ ١٤، و ١٩/ ١٣٤. معالم التنزيل ص ٦٩٤، و ٩٤٧. الكشاف ٢/ ٥٣٦، و ٣/ ٣٤١. المحرر الوجيز
٣/ ٣٥٢، و ٤/ ٢٤٤. الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٧، و ٨/ ١٩١. البحر المحيط ٦/ ٤٦٩، و ٨/ ١٩١. تفسير القرآن العظيم ٤/ ٦٤٣.