← المكتبة ▭ 1 page
زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر
فهد بن إبراهيم الضالع علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
445 · ص445
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الخيانة المعصية، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «وخائِنةُ العَيْن: ما تخُونُ من مُسارَقة النَّظَر أي: تنظُرُ إلى ما لا يَحِلُّ» ١. الوجه الثاني: نقض العهد. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} [المائدة: ١٣]. وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد، وعكرمة ٢. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ٣. الآية الثانية: قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: ٥٨]. وقال به من السلف: ابن زيد ٤. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ٥. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «فالخيانة مخالفة الحق بنقضِ العهد» ٦، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن من أمثلة الخيانة نقض العهد. الوجه الثالث: ترك الأمانة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: ١٠٥].
١ العين ٢٨٤. ٢ جامع البيان ٦/ ٢٠٣. ٣ جامع البيان ٦/ ٢٠٣. معاني القرآن وإعرابه ٢/ ١٦٠. معاني القرآن للنحاس ٢/ ٢٨٢. معالم التنزيل ص ٣٦٦. الكشاف ١/ ٦٥٠. المحرر الوجيز ٢/ ١٦٩. الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٧٧. البحر المحيط ٤/ ٢٠٦. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/ ٥٠٤. ٤ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ٥/ ١٧٢٧. ٥ جامع البيان ٦/ ٣٦. معاني القرآن وإعرابه ٢/ ٤٠٢. معاني القرآن للنحاس ٣/ ١٦٥. معالم التنزيل ص ٥٣٢. الكشاف ٢/ ٢١٩. المحرر الوجيز ٢/ ٥٤٣. الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٢. البحر المحيط ٥/ ٣٤٠. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٣٢٦. ٦ مفردات ألفاظ القرآن ص ٣٠٥.
446 · ص446
ويشهد له ماروي في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: فعن قتادة بن النعمان ١ قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر .. الحديث .. وفيه .. قال قتادة: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟ قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: الله المستعان فلم يلبث أن نزل {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: ١٠٥]، أي مما قلت لقتادة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ١٠٥ - ١١٠]» ٢. وبين هذا الوجه والوجه الأول تقارب شديد لكون ترك الأمانة مثالاً من أمثلة المعصية؛ غير أن مراد ابن الجوزي هنا ظاهر في سبب النزول. ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.
١ قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن أبي ظفر عمرو بن الخزرج الأنصاري الأوسي أبو عبد الله شهد بدرا وسقطت عينه يوم أحد فأتى بها النبي فردها فكانت أحسن عينيه مات سنة ٢٣ هـ (الاستيعاب ٣/ ١٢٧٤. الإصابة ٥/ ٤١٦). ٢ أخرجه الترمذي (كتاب التفسير، باب ومن سورة النساء برقم ٣٠٣٦، ٥/ ٢٤٤) وصححه الحاكم في المستدرك ٤/ ٤٢٧ وحسنه الألباني برقم ٢٤٣٢).
→ prev 445–446 / 979 next ←