573 · ص573
الوجه السادس: الإفراط في الذنوب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: ٥٣].
واختلف السلف في تحديد المراد بالمسرفين في هذه الآية واتفقوا على أن معناه الإسراف في الذنوب والمعاصي.
ويشهد له حديث عن بن عباس رضي الله عنهما: أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا؛ فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان: ٨٦]، ونزل: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: ٥٣]» ١. وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن زيد، وقتادة، والسُّدي، ومحمد بن كعب القرظي ٢.
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ٣.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.
وجائز لجميع الأوجه أن يكون مأخذها التفسير بالمثال؛ قال ابن فارس: «سرف السين والراء والفاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تعدّي الحدّ» ٤، فالخروج عما يجب، والحرام، والإنفاق في المعصية، وتحريم الحلال، والشرك، والإفراط في الذنوب كلها أمثلة على مجاوزة الحد.
١ أخرجه البخاري (كتب التفسير، باب {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: ٥٣]، ٤/ ١٨١١، برقم ٤٥٣٢).
٢ جامع البيان ٢٤/ ٢٠.
٣ جامع البيان ٢٤/ ٢٠. معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٥٧. معاني القرآن للنحاس ٦/ ١٨٤. معالم التنزيل ١١٢٩. الكشاف ٤/ ١٣٨. المحرر الوجيز ٤/ ٥٣٦. الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٧٤. البحر المحيط ٩/ ٢١١. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/ ٤١٥.
٤ مقاييس اللغة ص ٤٩١.
574 · ص574
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الستة وهي:
الوجه الأول: الخروج عما يجب. ودل عليه قوله تعالى: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: ٣٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كماقال الراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: الحرام. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: ٦]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته وما يؤول إليه لأن من أكل مال اليتيم وأسرف فيه فقد وقع في الحرام.
الوجه الثالث: الإنفاق في المعصية. ودل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان: ٦٧]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: تحريم الحلال. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الخامس: الشرك. ودل عليه قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: ٤٣]، ومأخذه السياق القرآني؛ لاقتران الإسراف في الآية بدخول النار.
الوجه السادس: الإفراط في الذنوب. ودل عليه قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: ٥٣]، وشهد له حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ومأخذه سبب النزول. هذا وجائز لجميع الأوجه أن يكون مأخذها التفسير بالمثال؛ كما تم بيانه سابقا.
المطلب الخامس: دراسة وجوه كلمة الطواف.
باب الطواف:
قال ابن الجوزي:
«الطواف بالشيء: استيعاب نواحيه بالسعي حوله. تقول: طِفت بالبيت: إذا درت حوله .. . . . والطائف أيضاً: ما طاف بالإنس والجن من الجنَّان ١.
١ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص ٥٨٠. جمهرة اللغة ٢/ ٩٢١. مقاييس اللغة ص ٦٠٤. لسان العرب (طوف). والمقدمة هنا فيها شيء من الغموض وذلك أن الجان هو الذي يطيف بالإنسان؛ قال ابن فارس: والطَّيْفُ والطائف: ما أطاف بالإنسان من الجِنَّان، يقال طاف واطَّاف».