595 · ص595
المطلب الثامن: دراسة وجوه كلمة وجد:
باب وجد:
قال ابن الجوزي:
"وجد: فعل ماضٍ. وهو في الأصل: إصابة الشيء والإحساس به بعد أن لم يكن ذلك. يقال وجدت الضالة وِجداناً. ووجدت من الحزن وجْدَاً. ومن الغضب موجدة. ووجدت في المال وجداً.
قال ابن فارس: وحكى بعضهم: وجدت في الغضب وجداناً. وأنشدوا:
كِلانا ردَّ صاحبَهُ بغَيظٍ ... على حَنَقٍ وَوِجدانٍ شديدٍ ١
وذكر بعض المفسرين أن وجد في القرآن على ستة أوجه:
أحدها: الإصابة والمصادفة. ومنه قوله تعالى في النمل: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ}
[النمل: ٢٣]، وفي القصص: {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: ٢٣].
والثاني: العلم. ومنه قوله تعالى في الأعراف: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الأعراف: ١٠٢].
والثالث: الاستطاعة. ومنه قوله تعالى في النساء: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: ٩٢]، وفي المجادلة: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٤].
والرابع: اليسار. ومنه قوله تعالى في الطلاق: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}
[الطلاق: ٦].
والخامس: الرؤية. ومنه قوله تعالى في النساء: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء:
٨٩]، وفي براءة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} [التوبة: ٥]، وفي الضحى: {
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: ٧].
١ مقاييس اللغة ص ١٠٤٤. والبيت لصخر الغي، (ديوان الهذليين) ٢/ ٦٧، وفي اللسان (وجد). والمعنى: أن الشاعر أيأس الحمامة من ولدها فغضبت عليه ولأن الحمامة أيأسته من ولده فغضب عليها.
وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص ١٠٣٥. جمهرة اللغة ١/ ٤٥٢.مقاييس اللغة ١٠٤٤.
596 · ص596
والسادس: القراءة. ومنه قوله تعالى في آل عمران: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَرًا} [آل عمران: ٣٠]، وفي الكهف: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [آل عمران: ٤٩]،
وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول" ١.
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الإصابة والمصادفة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: ٢٣]،
الآية الثانية: قوله
تعالى: {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: ٢٣].
ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيتين بالوجه؛ وبالنظر إلى الاستعمال العربي لهذا اللفظ فالوجه صحيح وهو معناه الأصلي؛ قال الخليل: «والوِجدانُ والجِدةُ من قولك: وجَدْتُ الشّيء، أي: أَصَبْتُهُ» ٢، وقال ابن فارس: «الواو والجيم والدال: يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشيء يُلفيه ٣.»
ومما يؤكد قوة هذا الوجه أن ابن الجوزي يرى دخول مثال الوجه السادس فيه.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة.
الوجه الثاني: العلم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الأعراف: ١٠٢].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول أبي بن كعب: «علم الله يومئذ من يفي ممن لا يفي»، وقال أبو العالية: «هو ذلك العهد يوم أخذ عليهم الميثاق «٤، وقال ابن القيم:» قال
١ نزهة الأعين النواظر ص ٦١٥.
٢ العين ص ١٠٣٥.
٣ مقاييس اللغة ص ١٠٣٥.وربما ورد على تصحيح الوجه التعبير بالمصادفة؛ وهل فيه بأس من جهة العقيدة؟، وأجاب بجواز التعبير بها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم ٤٨٠٠ ٣/ ٣٩٣، بتوقيع: عبد العزيز بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن غديان، وعبد الله بن قعود.
٤ جامع البيان ٩/ ١٨. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ٥/ ١٥٣٠. الدر المنثور ٣/ ٤٥٩.