5259 · ص85 · ج12
[تنبيهان]:
الأول:
قولُهُ في هذه الروايةِ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ»، بعد وضوء أبي هريرة وشروعه في العضد والساق- لا يصحُّ؛ إنما هو فعلُ أبي هريرةَ اجتهادًا منه؛ حيثُ تَأَوَّلَ حديثَ الغرة والتحجيل تأويلًا غريبًا، لم يوافقه عليه أحد من الصحابة ولا مَن بعدهم ١.
وقد روى مسلمٌ (٢٥٠) بسندِهِ: عن أبي حازم قال: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الوُضُوءُ؟ ! فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ! أَنْتُمْ هَا هُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم يقولُ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوَضُوءُ».
قال القاضي عياضٌ: "وإنما أرادَ أبو هريرةَ بكلامِهِ هذا أنه لا ينبغي لمن يُقتدى به إذا ترخص في أمرٍ لضرورةٍ أو تشددٍ فيه لوسوسةٍ أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شَذَّ به عن الناس- أن يفعله بحضرة العامة الجهلة؛ لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو الفرض اللازم" (شرح مسلم للنووي ٣/ ١٤٠).
قلنا: فلو رَأى أبو هريرةَ ذلك من فعلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لجهرَ به، وأظهرَهُ للناسِ.
١ بل نُقِل الإجماع على مخالفته، فقال ابن بطال: "وهذا شيءٌ لم يتابعْ عليه أبو هريرة، والمسلمون مجمعون على أنه لا يتعدى بالوضوء ما حدَّ الله ورسوله ... "، وانظر تتمة كلامه في (شرح البخارى ١/ ٢٢١).
5260 · ص85 · ج13
آخِرِه في الأصلِ وعلى ما بَعْدَه مِن بَياضٍ، وكُتِبَ في الحاشيةِ بخطِّ الناسخِ: "سقط: مَرَّتين".
التنبيه الثالث:
قال الحافظُ أبو عبدِ اللهِ ابنُ مَنْدَهْ -بعدما أخرجه مِن حديثِ مالكٍ-: "وهذا إسنادٌ مُجْمَعٌ على صحتِهِ، رواه جماعةٌ عن عَمرِو بنِ يحيى، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، ولم يَذْكُر واحدٌ منهم في صفةِ مَسْحِ الرأسِ أنه مَسَحَ جميعَ الرأسِ، إلا مالكَ بنَ أنسٍ" (الإمام لابن دقيق ١/ ٥٣٠).
قلنا: وفي روايةِ غيرِ مالكٍ: ((فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ))، دُونَ تفصيلٍ.
ولكنْ رواه ابنُ الجارُودِ في (المُنتقَى ٧٣)، والطَّحاويُّ (شرح معاني الآثار ١/ ٣٠/ ١٢٨)، وأبو عَوَانةَ في (مستخرجه ٧٢٨): من طريقِ ابنِ وَهْبٍ، عن يحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ ومالكِ بنِ أنسٍ، عن عَمرِو بنِ يحيى المازِنيِّ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ المازِنيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَنَّهُ أَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِنَاءِ فَغَسَلَهُمَا، وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ أَخَذَ بِيَدَيْهِ مَاءً فَبَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ)). واللفظُ لابنِ الجارُودِ.
وبهذا تَعَقَّبَ ابنُ دقيقِ العيدِ كلامَ ابنِ مَنْدَهْ؛ وقال: "وهذا يقتَضي متابعةَ يحيى بنِ عبدِ اللهِ بنِ سالم بن عبد الله بن عُمرَ لمالكٍ في هذه الصفة، وهو ممن أخرجَ له مسلمٌ وغيرُهُ" (الإمام ١/ ٥٣١).
قلنا: والأمرُ كما قال لو صَحَّ أن لفظَ يحيى بنِ عبد الله موافقٌ لروايةِ مالكٍ، ولكنْ نخشَى أن يكونَ ابنُ وَهْبٍ حَمَل روايةَ يحيى على لفظِ روايةِ