16319 · ص585 · ج18
١١٧ - {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}
قال أهل المعاني: فيه إضمار مجازه: فلا برهان له به (١).
١١٨ - {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}.
(١) حكاه عنهم ابن حبيب في "تفسيره" ٢٥٦/ أ، والحيري في "الكفاية" ٢/ ٥٥/ ب. وهؤلاء جعلوا {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} وجواب الشرط في قوله: {وَمَنْ يَدْعُ}.
وقد اعترض أبو حيان عليه حيث قال: فلا يصح؛ لأنه يلزم منه حذف الفاء في جواب الشرط ولا يجوز إلَّا في الشعر. والأصح أن يكون جواب الشرط هو قوله: فإنما حسابه، وعليه ففي الجملة المنفية -لا برهان له به- وجهان:
١ - أنها صفة لـ (إلهًا) وهي صفة لازمة كقوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: ٣٨]. وجيء بها للتأكيد.
٢ - أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه كقولك: من أساء إليك -لا أحق بالإساءة منه- فأسئ إليه.
ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد أن يقول أما من عبد معه إلهًا آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه.
انظر: "الكشاف" للزمخشري ٣/ ٢٠١، "البحر المحيط" لأبي حيان ٦/ ٣٩١، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري ٢/ ١٥٢، "الدر المصون" للسمين الحلبي ٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦، "زاد المسير" لابن الجوزي ٥/ ٤٩٦، "أضواء البيان" للشنقيطي ٥/ ٨٣٣.
16320 · ص585 · ج21
إلزامًا (١). {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ}.
واختلفوا في الأمانة:
فقال أكثر المفسرين: هي الطاعة والفرائض التي فرضها الله -عز وجل- على عباده، عرضها على السماوات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله -عز وجل- أن لا يقوموا بها، وقالوا: لا، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا. فقال الله -عز وجل- لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ ، قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جُزيت، وإن أسأت عوقبت. فتحملها آدم وقال: بين أذني وعاتقي، فقال الله -عز وجل-: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخِ حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال: فما لبث آدم إلا مقدار ما بين الظهر والعصر حتى أخرج من الجنة (٢).
وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين (٣).
أبو العالية: هو ما أُمروا به، ونُهوا عنه.
(١) رواه الطبري في "جامع البيان" ٢٢/ ٥٣ - ٥٤، عن سعيد بن جبير، وعن ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ٢٢/ ٥٤، ٥٥، عن ابن عباس، وعن ابن زيد.
(٣) وهو قول قتادة، انظر: "جامع البيان" للطبري ٢٢/ ٥٥.