5703 · ص193 · ج12
{وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
١١٨ - قوله -عز وجل-: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوا مما قتلتم بسكاكينكم، فنزل (١): {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}: وقت الذبح، يعني: المذكى ببسم الله (٢) {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}: وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافًا من النعم، ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلُّوا ما أحلَّ الله، وحَرِّموا ما حَرَّم الله.
١١٩ - قوله -عز وجل- ثم قال: {وَمَا لَكُمْ}
يعني (٣): وأي شيء لكم في {أَلَّا تَأْكُلُوا}: وما يمنعكم من أن
(١) أخرجه أبو داود كتاب الذبائح، باب في أكل ذبائح أهل الكتاب (٢٨١٩)، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب من سورة الأنعام (٣٠٦٩) كلاهما من طرق عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: أتى أناس النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)} إلى قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}
قال الإمام أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عباس أيضًا، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٤/ ٢٦٠ من طريق أخرى عن ابن عباس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: "لباب النقول" للسيوطي (٩١).
(٢) في (ت): يعني: الذكاة باسم الله.
(٣) ليست في (ت).
5704 · ص193 · ج13
وخبره مضمر تقديره: ورسوله أَيضًا بريء (١)، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب (رسولَه) بالنصب (٢) ردًّا على اسم الله، ولم يقل: بريئان؛ لأنه يرجع (٣) إلى كل واحد منهما، كقول الشَّاعر (٤):
(فمن يَكُ أمسى بالمدينة رحلُه) (٥) ... فإنِّي وقيّارًا بها لغريبُ
وروي عن الحسن (ورسولِه) بالخفض على القسم (٦).
وبلغني أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ هذِه القراءة (٧) فقال: إن كان الله بريئًا من رسولِه فأنا منه بريء أَيضًا، وأخذ الرَّجل بتلابيبه وجَرّه إلى
(١) "الدر المصون" للسمين الحلبي ٦/ ٧ وذكر وجهين آخرين في توجيه هذِه القراءة.
(٢) "الكامل في القراءات الخمسين" للهذلي (ل ١٩٧/ ب)، "شواذ القراءة" للكرماني (ل ٩٨/ أ).
(٣) في (ن): رجع.
(٤) هو ضابئ بن الحارث البرجمي، قاله وهو محبوس بالمدينة في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
وهو في "الأصمعيات" للأصمعي (ص ١٨٤)، "خزانة الأدب" للبغدادي ٩/ ٣٢٦، "الكتاب" لسيبويه ١/ ٧٥، "نوادر أبي زيد" (ص ٢٠)، "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٨٨، وبلا نسبة في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ١٧٢، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص ٥٣)، "رصف المباني" للمالقي (ص ٢٦٧)، "همع الهوامع" للسيوطي ٢/ ١٤٤، "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور ١٠/ ١٠٩.
(٥) ما بين القوسين ساقط من الأصل، وأثبته من (ت).
(٦) "شواذ القراءة" للكرماني (ل ٩٨/ أ)، "البحر المحيط" لأبي حيان ٥/ ٨.
(٧) في (ت): يقرأ بهذِه الآية (ورسوله) بالجر.