649 · ص23 · ج14
الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى نفذت المشاقص في جوفه فاستشهد يومئذٍ - رضي الله عنه -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عند الله احتسبك، ما رأيت قط أشرفَ منه، لقد رأيته بمكة وإنّ عليه بُرْدين ما يُدرى ما قيمتهما، وإن شراك نعله من ذهب، وإن عن يمينه غلامين، وعن يساره غلامين؛ بيد كل واحد منهما قَعْبٌ من حَيس يأكل ويطعم الناس، فآثره الله تعالى بالشهادة". وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أهديت له طُرْفَة خبّأها لمصعب بن عمير - رضي الله عنه -، فأنزل الله تعالى فيه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (١).
وأُخِذ أخوه يوم (بدر) أسيرًا فقال: أنا أبو عزيز بن عمير (٢)، أخو مصعب بن عمير، فلم يشدّوه في الوثاق مع الأسارى، وقالوا: هذا الطريق اذهب حيث شئت، قال: إني أخاف أن تقتلني قريش، فذهبوا به إلى منزلهم وأكرموه بالخبز والتمر، فكان يمدّ يده إلى التمر ويدع الخبز، والخبز عند أهل المدينة أعزّ من التمر، والتمر عند أهل مكة أعزّ من الخبز، فلما أصبحوا مضوا به إلى مصعب - رضي الله عنه -، وقالوا: أخوك عندنا، وأخبروه بما فعلوا به، فقال: ما هو لي بأخٍ ولا كرامة، شدّوا وثاقه؛ فإن أُمّه أكثر أهل البطحاء حُليًّا، فأرسلت أمه في فدائه.
ثم أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير - رضي الله عنه -؛ قال في نفسه: والله لا يقتلك غيري، فما زال به حتى قتله، وفيه أنزل
(١) الرحمن: ٤٦.
(٢) انظر ترجمته في "الاستيعاب" لابن عبد البر ٤/ ٣٦، "الإصابة" لابن حجر ١١/ ٢٥٤.
650 · ص23 · ج15
٤٢ - قوله عز وجل {وَقَالَ}
يوسف (عند ذلك) (١) {لِلَّذِي ظَنَّ} عَلِمَ {أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} وهو الساقي. هذا قول أَكْثَرِ المفسرين (٢).
وفَسَّرَ قَتادَةُ على الظنِّ الذي هو خلاف اليقين. وقال: إِنَّما عبارةُ الرؤيا بالظنِّ، فَيُحِقُ الله تعالى ما يشاء ويُبْطِلُ ما يشاء (٣).
والقول الأول أولى بالصواب وأَشْبَهُ بحال الأنبياء (٤).
{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} يعني: سيدك الملك، وقل له: إِنَّ في السجن غلامًا محبوسًا ظلمًا (٥).
{فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} يعني: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذِكْرَ ربه حين ابتغى الفرج من غيره واستعان بالمخلوق، وتلك غفلةٌ
= أصاب بعده؛ إذْ ليس المدار إلَّا على إصابة الصواب في تعبير المنام.
انظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (٣٤٨)، "فتح الباري" لابن حجر ١٢/ ٤٣٣، "المنهاج شرح مسلم" للنووي ١٥/ ٢٩.
(١) ساقطة من (ك).
(٢) انظر: "جامع البيان" للطبري ١٦/ ١٠٩ - ١١١، وابن حبيب (١٢١ أ)، "البسيط" للواحدي (١٢٤ أ) ونسبه لأكثر المفسرين.
(٣) أخرجه الطبري في "جامع البيان" ١٦/ ١١٠، وذكره في "المحرر الوجيز" لابن عطية ٧/ ٥١٦.
(٤) وهو الذي رجحه الطبري في "جامع البيان" ١٦/ ١١١. والواحدي كما في "البسيط" (١٢٤ أ)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" ٧/ ٥١٥، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ٩/ ١٩٤، ويدل له قوله تعالى: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}.
(٥) انظر: "جامع البيان" للطبري ١٦/ ١١٠ - ١١١، "النكت والعيون" للماوردي ٣/ ٣٩، "البسيط" للواحدي (١٢٤ أ) ونسبه للمفسرين.