1023 · ص35 · ج30
فرجع بها ترجف بوادره (١)، حتَّى دخل على خديجة، فقال: "زمَّلوني زمَّلوني"، فزمَّلوه، حتَّى ذهب منه (٢) الروع، فقال: "يا خديجة ما لي؟ " وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت عليّ (٣)، قالت له: كلَّا أبشر فو الله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُق الحدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ (٤)، وَتَقْري الضَّيْف، وتُعِيْنُ على نوائِبِ الحَق، ثم انطلقت به خديجة، حتَّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العُزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة، وكان أمرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت خديجة: إي ابن عم، اسمع (٥) من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى،
(١) ترجف بوادره: أي يرجف فؤاده، والبوادر من الإنسان وغيره: اللحمة التي بين العنق والمنكب، واحدها بادرة.
انظر: "تفسير غريب ما في الصحيحين" للحميدي (ص ٥١٠).
(٢) في (ب)، (ج): عنه.
(٣) الخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا وأولاها بالصواب: إما الموت من شدة الرعب أو المرض، أو دوام المرض، وما عداها فهو مُعتَرض.
انظر: "فتح الباري" لابن حجر ١/ ٢٤.
(٤) الكَلّ: هو من لا يستقل بأمره، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل: ٧٦].
انظر: "فتح الباري" لابن حجر ١/ ٢٤، "تفسير غريب ما في الصحيحين" للحميدي (ص ٥٠٩).
(٥) في (ب): استمع.
1024 · ص36 · ج1
ثالثاً: الحالة الاجتماعيَّة:
تبيَّن لنا مما سبق أنَّ الحالة السياسية في تلك الحقبة من أيام الدولة العباسية -التي عاصرها الثعلبي- كانت حالة سيئة، بسبب التفرق والتشرذم، والحروب والصراعات التي كانت مستمرةً.
ولا شك بأن العلاقة وثيقة جدًّا بين الحالتين: السياسية، والاجتماعية، فالحالة الاجتماعية مرآةٌ للحالة السياسية، فإذا كانت الحالة السياسية مستقرَّة، وكانت الدولة قويةً عادلة، أثَّر ذلك في المجتمع، فأصبح مجتمعاً قويًّا متماسكاً، يسوده الأمن والاستقرار والرخاء.
وبعكس ذلك تصير الأمور، إذا كانت الحالة السياسية مضطربة، والسلطة ضعيفة لا تملك من أمرها شيئاً، فالحالة الاجتماعية -عندئذ- تنهار، فلا أمن ولا أمان، ولا هدوء ولا استقرار، وهذا ما حصل للدولة الإسلامية في هذِه المدة التي نتحدث عنها.
فالحروب والصراعات التي دارت أنهكت الاقتصاد، وقضت على الموارد، وشجعت على إشاعة الفوضى في شتى ميادين الحياة.
فالفزع والرعب سيطر على القلوب، بسبب اختلال الأمن، مما أوجد الفرصة للسلب والنهب فكثر العيَّارون (١)، وانتشر اللصوص
(١) العيَّارون: هم طائفة من الرعاع، وأحدهم لا يهتم بأمور عيشه، ولا يتقيّد بالدين، ولا بالمتعارف عليه بين الناس.
انظر: "معجم المصطلحات والألقاب التاريخية" (ص ٣٢٨).