16129 · ص566 · ج22
فإن ابن عباس قال (١): هو أن القادة: إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة: (هذا) يعني الأتباع (فوج) جماعة (مقتحم معكم) النار، أي: داخلوها كما دخلتم، فقالت السادة: {لَا مَرْحَبًا بِهِمْ} يعني الأتباع {إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} كما صليناها.
٦٠ - {قَالُوا} فقال الأتباع للسادة: {بَلْ أَنْتُمْ}) (٢)
{لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} أي: شرعتم وسننتم الكفر لنا {فَبِئْسَ الْقَرَار} قرارنا وقراركم، والمرحب والرحب: السعة، ومنه رحبة المسجد (٣)، قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: لا مرحبًا به، أي: لا رحبت عليه الأرض، أي: لا اتسعت (٤).
وقال القتيبي: معنى قولهم مرحبًا وأهلًا وسهلًا، أي: أتيت رحبًا وسعةً وأتيت سهلًا لا حزنًا، وأتيت أهلًا لا حزنًا فآنِس ولا تستوحش، وهي في مذهب الدعاء كما تقول لقيتَ خيرًا، فلذلك نصب (٥).
قال النابغة (٦):
لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به ... إن كان تفريق الأحبة في غدٍ
(١) انظر: قول ابن عباس في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٥/ ٢٢٣.
(٢) ما بين القوسين سقط من (م) والاستدراك من (أ)، (ب).
(٣) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ص ٣٤٦) (رحب).
(٤) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ١٨٦.
(٥) انظر: "لسان العرب" لابن منظور ١/ ٤١٤ (رحب).
(٦) زياد بن معاوية بن ضباب بن ذبيان، المعروف بالنابعة الذبياني.
16130 · ص566 · ج24
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (١) وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} (٢) قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إلَّا ليقروا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا (٣).
فإن قيل: فكيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضى عليهم, لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنَّه غير ممتنع منه (٤).
وقيل: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلَّا ليوحدون (٥) (٦).
وقال مجاهد: إلَّا ليعرفوني (٧).
ولقد أحسن في هذا القول؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (٨)، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
(١) البينة: ٥.
(٢) التوبة: ٣١.
(٣) انظر: "جامع البيان" للطبري ٢٧/ ١٢، "تفسير القرآن العظيم" لابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣١٣، "النكت والعيون" للماوردي ٥/ ٣٧٤، "زاد المسير" لابن الجوزي ٨/ ٤٢، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٧/ ٥٥، "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ١٤١، "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير ١٣/ ٢٢٢.
(٤) انظر: "جامع البيان" للطبري ٢٧/ ١٢، "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٥٥.
(٥) السابق.
(٦) القول ليس في (ح).
(٧) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي ٧/ ٣٨٠، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ١٧/ ٥٥، "فتح القدير" للشوكاني ٥/ ٩٢.
(٨) الزخرف: ٩.